لأقعدن على الطريق واشتكي
بأحد أسطح فنادق وسط المدينة القديمة الغير مشهورةـ تجلس وحيدة والطاولات كالعادة فارغة من حولها يتقدم العجوز الذي لا تعلم اسمه رغم مجيئها منذ ست سنوات أكثر، يقترب اليها ببطئ ليضع المنيو الذي يعلم جيداً أنها لن تختار منه شئ وستطلب طلبها المعتاد
يذهب بعيداً لتبتسم وتشيح بنظرها للمباني من فوق تدع الهواء يتغلغل شعرها جيداً تشعر به لا تود سماع الموسيقى تود سماع ما حولها فقط تشعل سيجارة ثم تنظر الى الفراغ لكنه ليس بفراغ فهل الابراج المرتفعه التي تشيب السماء واصوات العربات التي تضغطي على تصافح اوراق الشجر ورحيل الطيور بالغروب ورائحة الهواء المشوبة بالمطاعم العديدة والدخان، يُعد بفراغ؟
تسأل نفسها هذا السؤال لتجيب "كم يتشابه هذا الفراغ بالفراغ الذي أشعر، فراغ يشوبه زحمة الأفكار وتصادم المشاعر، ألهذا أحب هذا المكان.. ربما!" تشعل سيجارة آخرى وتحتسي من كأس امتلئ بسائل أحمر.
يهبط الظلام تدريجاً تماماً كأفكارها ومشاعرها وسؤالها الأبدي " طب وبعدين" ليقتحم هو المكان بقامته
تبتسم وتقف لترحب به فيحتضنها وتظل متشبتثة برفق به لثوان معدودة أنتظرتها أيام بل شهور
-بكاش اوي بقالي كتير مشوفتكش
=غصب عني انتي عارفة ظروفي
=ازاي؟ ده احنا بقالنا سنه تقريبا مشوفناش بعض
-حاجات كتير اتغيرت في السنة دي بس رجعت زي ما انا زي اخر مرة شوفتني فيها
تتمالك حتى لا تبكي فتشعل سيجارة مرة اخرى
تبتسم بهدوء فيمكسها لديها ليكتشف رعشة قلقها
-ليه حسستني اني حاجة مختلفة ومميزة في حياتك وبعدين بقيت اقل من الغريب فيها
=مكنتش جتلك ومكنتش بعد كل مرة بعدتي فيها رجعتلك
-بفضل اسال رجعت ليه وليه دي بتكرر ف اي حاجة بينا خلتني اشك في نفسي من كتر ما كنت بخلقلك اسباب طلعت نفسي الشيطانة في الحكاية وزي ما صدقت الاسباب صدقت اني شيطانة
-معقول انا مش كفاية معقول انا مش مهمة معقول انا اتركن على الرف واي حاجة تانية تمام معقول طاقتك مبقتش تساعني معقول انا نكدية للدرجة دي معقول انا فاشلة للدرجة دي معقول مش عايز يشوفني معقول مش عايز يسمع صوتي ف ارجع واقول انا تمام دي ظروفه مش انا بس انت بتوحشني وانا بحبك ف بحتاجلك ولما بجيلك بتخذلني
-لو كنت ديل مهم كنت فضلتي مساحة من وقتك ارجوك بلاش الجملة انتي عارفه ظروفي من الاول
=بس دي الحقيقة انا حاولت اهندل بس كل مدى ما الظروف بتحكمني انتي عارفه
-عارفه بيتك ومراتك وعيالك عارفه شغلك عارفه حاجات كتير اوي بس انت عارف ايه عني؟
-وعارف ايه كمان عني؟ يعني عارف انا عاملة ايه ف شغلي؟ عارف اناعاملة ايه ف بيتي؟ عارف انا علاقتي ازاي بصحابي؟ عارف ايه عن مخاوفي وقلقي عارف ايه عن افكاري عارف..
تصمت وتشيح بنظرها للسماء ثم السور بجوارها وتسال نفسها "هل لابد من القفز الآن" ليقاطعها
=علاقتنا مكنتش طبيعية من الاول فصعب نسال ع حاجات موجودة ف العلاقات الطبيعية
=مش بقولك كده علشان اسكتك
-انا مش بسكت انت معاك حق تشرب ايه
يأتي الجرسون فتطلب مشروبه المفضله وان يمتلئ كأسها مرة أخرى
يملئ الصمت المكان ويمسك هاتفه ليدير اعماله التي لا تنتهي لتغني بعقلها "وحلفت أنك لا تميل مع الهوى اين اليمين واين ما عاهدتني" مُشتاقة هي لكن معذبة كذلك..