عزيزي!
كنت اليوم في خيالي رجلاً لا أعرفه ولكنني تزوجته بعد أن وصلت إلى حال ميؤوس منه من الاكتئاب والوحدة. كنت بحاجة إلى ونيس حتى لو لم أعرفه أو أحبه مسبقاً، فأتيت أنت. لم أكن حتى ابتسم، لا لشيء سوى أنني فقدت القدرة إلا على البكاء. لكنك كنت حنوناً جداً، حنوناً إلى درجة زادت من خوفي ودموعي التي يبدو أنها لا تجف. في ذلك الخيال، كنت أجلس في شرفة غرفتي انظر إلى الفراغ بعينين مثقلتين بالهموم ورأس يدور بهستيرية مكرراً كل شيء وكل فكرة تحزنني مرة بعد مرة بلا توقف حتى... بكيت للمرة الألف. سمعت طرقة على الباب، لكنني لم التفت. لم أعد اهتم لشيء. كنت مجرورة في جواد أفكاري الجامح غير قادرة على التمسك بشيء كي أقف. مرت لحظات حتى وجدتك تدخل إلى الشرفة، كنت أنت الطارق. نظرت إليك لوهلة ثم عدت أنظر في الفراغ. حاولت أن امنع دموعي كي لا تشعر. جلست إلى جواري وسألتني:
- أنتِ كويسة؟
ولأنني لم أكن يوماً "كويسة"، ولأنني أمضيت أعواماً من الكذب بشأن هذا، وجدتني أهز رأسي أن لا بينما دموعي تسيل. كنت أريد أن أقول الحقيقة ولو لمرة. ضممتني إليك دون كلمة فتمسكت بك. كنت أريد أن أشعر بأن أحداً جواري حقاً وأنني لا اتخيل المواساة كعادتي كلما بكيت. رحت تربت على ظهري فأخذت أشهق مرة بعد مرة في ألم. كنت اتساءل لو أنك تعرف كم تمنيت أن يفعل أحد هذا كلما بكيت أم لا. كنت مثيرة للشفقة، ولكنني كنت استحقها بعد أعوام من لعب دور المنقذ الأول والأخير لنفسي لسنوات مديدة حتى انهرت. سمعتك تقول بصوت هاديء:
- طول عمري ماكنتش بهتم لمشاعر حد، ماكنتش بتعاطف مع حد، وكنت لاغي مشاعري في حاجات كتير لدرجة إن ساعات الناس كانت بتقول عني بارد... قاسي... ماعنديش قلب. وكنت متصالح جداً مع ده. لغاية ما شفتك... كل مرة بشوفك بالحالة دي بحس إن قلبي الناشف ده بيتقسم نصين. بحس إني عايز اعمل أي حاجة تخليكي أحسن.
كنت استمع إليك وبكائي يزداد. هل تعلم وقع ما قلته الآن على روح انهارت مثلي؟ هل تعلم كم من السنوات مرت وأنا أظن أن لا أحد سيشفق عليّ؟ هل تعلم أنني يمكن أن أموت الآن؟ هل تعلم أن كل ما أفكر به هو الموت؟ سألتني:
- اعملك ايه عشان تبقي كويسة؟
تمسكت بك أكثر في محاولة مني أن ادخلك ولا أخرج أبداً. كنت أريد الاختباء من العالم كله. ضممتني إليك أكثر فنطقت أخيراً قائلة:
- خليك!
كلمة واحدة فقط، لكنها تعني الكثير. لم اطلبها يوماً من أحد خشية ألا أثقل عليهم، ولأنني لطالما شعرت أنهم لا يبادلونني نفس الشعور. لكنني طلبتها منك أنت، وقد كانت أصدق ما قلت يوماً. إنها رغبتي الدفينة في أن يكون معي أحد، وألا أكون بمفردي أمام نفسي. قلتها، ولم افكر في احتمالية أن تمل أو أن تتركني. كنت أريدك أن تبقى ولو لهذه اللحظة فقط. كنت أريد التشبث بهذه اللحظة النادرة من الأمان والعطف، عطف أتاني كما احتجت تماماً. ظللنا هكذا لمدة لم اعرفها حتى وجدتني أغفو، وقد كانت المرة الأولى التي أنام فيها حقاً بعد سنوات طِوال. حينها علمت أنني احببتك.
أعود وأكرر كلمات فيروز:
يا ريتك هون حبيبي وليت.
وداعاً!






